Google+ السيد ابو العربي | StoryMaker™
 

السيد ابو العربي

images (1)

قصة خبرية مكتوبة ( السيد ابو العربي )

كتب – على حسن

كانت الأجواء ملبدة بسحب من النيران أطلقتها فى سماء بورسعيد عساكر الإنجليز، والغيوم الناتجة عن تحليق الطائرات ورجال المظلات تنذر بسقوط أمطار من البارود والقنابل فتحول المنازل والمساجد إلى كومة من التراب ينعق خلالها البوم.

 سنوات ليست بعيدة سبقت عام 1956 حينما جاء النصاب الدولى ديليسبس وبدأت أعمال حفر قناة السويس فى عام 1859 لم تكن بورسعيد وليدة هذه اللحظة فقط، بل على جنباتها خرجت إلى الوجود الفرما وتنيس وعبرها مر الغزاة وتصدت لهم وفى مقدمتهم الهكسوس , تم حفر القناة وارتوت الرمال بدماء الضحايا الذين دفنهم ديليسبس فى التراب بالسخرة والتعذيب.

ومثلما خان ديليسبس الزعيم أحمد عرابى شهدت المدينة غدر اليهود، فبعد طرد الهكسوس بصق المصريون فى وجه اليهود الذين كانوا فى أواريس وهى الجزء الشمالى الشرقى لمحافظة بورسعيد الآن فقد كان اليهود أشد عنفا على المصريين من الهكسوس، وتقول روايات إن اليهود يعتبرون هذه المنطقة آخر حدود دولتهم المزعومة فهم يعتقدون أنه لولا نزول سيدنا ابراهيم عليه السلام إلى الفرما وتنيس ما أهدى إليه ملك الهكسوس هاجر وما كان اسماعيل وما كان محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك هم يكرهون بورسعيد.

تعاون ديليسبس مع الاحتلال الانجليزى لمصر 1882 وتعاون اليهود مع الهكسوس حوالى عام 2000ق.م، وكان الهدف دائما وإلى الآن بورسعيد ذات الموقع الجغرافى الفريد والمدخل الشمالى لقناة السويس زادها أهمية , فعن عبقرية هذا الموقع تحدث المفكر الكبير جمال حمدان واعتبره بمثابة القلب لمصر، حينما افتتحت قناة السويس عام 1869 جاء اليهود أفواجا وانشأوا حارات اليهود وكان من بين محاولات الصهيونى هرتزل مع انجلترا توصيل مياه النيل إلى العريش لتوطين اليهود واحتلال سيناء وشرق القناة والجزء الشرقى من بورسعيد وتوصيل المياه عبر سحارات أسفل القناة وكان فى العام 1903 وأعيد طرح الموضوع عام 1974 وتبناه الرئيس أنور السادت وتوقف بضغوط شعبية وعاد لينفذ فى جنوب بورسعيد تحت مسمى ترعة السلام بتمويل أمريكى.

جاءت أفواج من المحافظات المجاورة لبورسعيد أثناء حفر القناة من دمياط والمطرية دقهلية وصعيد مصر وعاشوا مرارة انشاء هذه المدينة ومنعوا من دخول حى الافرنج على الضفة الغربية من قناة السويس وواجهوا أمواج البحر التى امتدت لوسط المدينة الآن وتهدمت العشش الصفيح التى كانوا يتخذونها مأوى، ومع الأيام احتشدوا داخل منطقة قريبة من حى الافرنج وأطلقوا عليها حى العرب تحديا لقوات الاحتلال الانجليزى، ومارسو اضافة إلى مهنة صيد الأسماك64 مهنة عاشت وازدهرت داخل ميناء بورسعيد وفى مقدمة هؤلاء البمبوطية الذين يتقنون عدة لغات يتعاملون بها مع السياح والسفن الأجنبية العابرة لقناة السويس رغم أن غالبيتهم قد يكونوا لم يحصلوا على أى شهادة مدرسية ومع ذلك أتقنوا اللغة وبرعوا فى التجارة والبيع والشراء فوق السفن وقتها بدأت تتشكل الشخصية البورسعيدية المرتبطة بالبحر والتى تتفنن فى جذب السياح الأجانب، براعة قيل عنها فهلوة وشطارة واعتبرها البعض ممن لم يذوقوا عذابات وحروب بورسعيد خروجا عن النص ورجسا من عمل الشيطان.

انصهر الجميع فى مياه البحر وزادت صلاتهم فى السخرية من الاحتلال وصنعوا له الدمى ولقادته ليحرقوها ليلة شم النسيم من كل عام صدرت فرمانات بمنع هذه الاحتفالات منذ أعوام قليلة، ذاع صيت البمبوطى الذى يلاغى الأجانب من شتى الجنسيات ببساطة وابتسامة عريضة تعلو شفتيه لا يخدع أحدا يتبادل معهم الملابس والمشروبات ويدفع مقابل ما يشتريه قبل أن يغادر السفينة أو يودع السائح الذى اشترى منه ما يريد ليعيد بيعه فى أسواق بورسعيد، ولحظة بلحظة تتشكل شخصية أبو العربى إلى أن يعتيرها ما اعترى المجتمع من تغيرات وتحولات.

قاتل أهالى المدينة الباسلة قوات العدوان الثلاثى على مصر سنة 1956من شارع إلى شارع ومن حارة إلى حارة وبكل ما توفر لديهم من سلاح، نجحوا فى هزيمة انجلترا وفرنسا وإسرائيل، ومع حملهم للسلاح فى مواجهة قوات العدوان كانوا يعلقون صور عبدالناصر على الجدران وداخل المنازل والمحال، ويكتبون العبارات المؤيدة لناصر والمنددة بالاحتلال وقادته على الأسفلت والجدران ودور السينما والمسرح، علقوا الدمى لإيدن وبن جوريون وجى موليه وسط الشوارع الرئيسية، رفضوا الذل والمهانة والخضوع، ولذلك غيرت هذه الحرب مجرى التاريخ وانطلقت الشعوب المستعمرة تقاوم الاستعمار لتنال الحرية والاستقلال معتبرة بورسعيد المدينة الصغيرة التى يبلغ مساحتها الآن 1351 كيلو مترا مربعا وتقترب من 700 ألف نسمة نموذجا يحتذى فى النضال والمقاومة.

نال البورسعيدى شهرته ونالت آل السمسمية شهرتها مع المقاومة الشعبية، وعلى نغماتها سمعنا مورهاوس ليه بس اجيت من لندن هنا واتعديت وبتظلم طب ولاخليت واهى موتك جت جوه البيت وفى تسجيل بارع للحدث التاريخى أكتب يا زمان مجد الأحرار فى بورسعيد بركان ثوار ما قدرش عليه الاستعمار أنا والسويس واسماعيلية ما قبلش خلاص العبودية.. وانتشرت فرق السمسمية فى الشوارع تقيم ليال أضاءت ظلام المدينة الدامس مع صوت القنابل والرصاص، واستمرت المقاومة مع عدوان يونيو 67 وذاق البورسعيدية ويلات التهجير وخاضوا على الجبهة ومن ظل فى المدينة المستقبون هكذا كانوا يطلون عليهم لدورهم فى الدفاع عن المدينة وادارة شئونها المواجهة مع العدو الصهيونى وخلال حرب الاستنزاف المجيدة.

 وعبر سنوات طويلة عاشت الأسر فى المحافظات المصرية المختلفة فى رأس البر والمطرية والشرقية وغيرهم ورددوا فى هذه المدن على أنغام السمسمية تراثا لا ينسى ايدن وابن جوريون وموليه جايين يحاربونا على إيه هو الكنال ده فى أراضيهم ولا احنا خدناه منيهم ودى قنبلة وضربت فيهم واللى ضربها رئيسنا جمال. قصص طويلة مليئة بالشهداء والدموع تستحق أن تروى عن كفاح بورسعيد وسنوات التهجير ولم يتناولها فيلم سينمائى واحد سوى فيلم بورسعيد لفريد شوقى وهدى سلطان، ويأتى الآن واحد اسمه هانى رمزى يتمتع بثقل دم لا يحسد عليه ليقدم فيلما تافها باسم السيد أبوالعربى وصل ليشارك بوعى أو دون وعى فى الحرب على بورسعيد! بلا أدنى مبالغة!

فشل اليهود وفشل الرئيس السادات فى ترويض أبناء المدينة الباسلة التى اشتهرت بالتصدى لمرشحى حزب الحكومة فى كل الانتخابات البرلمانية والمحلية رغم التزوير والبلطجة، كان الاصرار الشعبى والمظاهرات حول لجان الانتخابات تفرض المرشحين من المعارضة والمستقلين رغم أنف الحكومة وحزبها.

ومع العام 1999 وعقب حادث الاعتداء على الرئيس مبارك لدى زيارته للمدينة توالت الإجراءات العقابية ضد أهالى بورسعيد ولأول مرة فى التاريخ يعاقب حاكم شعبا لجريمة لم يقترفها وبدأوا بإلغاء المدينة الحرة التى استمرت لمدة ربع قرن رتب الناس خلالها أوضاعهم وتكيفوا مع الأجواء الجديدة وفجأة ودون سابق إنذار أنزلوا بها العقاب وجددوا الحملات الأمنية ضد الباعة والتجار والمحال والمقاهى والأكشاك تحت دعوى إزالة الإشغالات، واستمرت المأساة إلى أن تقرر تحقيق حلم اليهود بموطئ قدم فى هذا الموقع الجغرافى الفريد عند المدخل الشمالى لقناة السويس باختيار بورسعيد ضمن المدن التى سوف تحظى بالمشاركة فى التصدير إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر الاتفاقية المؤهلة الكويز لتنتهى قصة بورسعيد فى دوامة الحلف الأمريكى الصهيونى واستغلالا لحالة الركود التى تعيش فيها المدينة منذ قرر الرئيس لا بيع ولا شراء فى بورسعيد وعلى المتضرر اللجوء إلى أقرب حائط ليضرب رأسه فيه.. منتهى الديمقراطية والعدالة..!!.

فى ظل هذه الأجواء عاشت شخصية البورسعيدى من النضال والمقاومة إلى الانفتاح والكويز، ولم يستسلم أبناء المدينة فلجأوا إلى النكات الساخرة والاحتماء وراء أبوالعربى لقد جاء وقت حمل السلاح فلم يترددوا، وقالوا لهم سوف تتاجرون فى الملابس المستوردة فعمل بعضهم فيها واستفاد غالبية الذين وفدوا إلى المدينة بعد منتصف السبعينيات وانزوى الذين دافعوا عن مصر وترابها فى شتى الحروب والأزمات وتركوا الساحة لتجار الصدفة وتجار السياسة والأوطان، وانقرضت مهن عديدة فى مقدمتها البمبوطية مازال منهم بقايا لم تستطع حتى الآن مسايرة التحولات والمتغيرات التى لم تخطر ببالهم لحظة واحدة فعلى ضفتى القناة الشرقية والغربية شهدوا الدماء تسيل وترتوى بها الرمال وتختلط بها مياه القناة والبحر، ووقفوا أيضا فوق السفن العابرة للقناة للبيع والشراء مع السياح الأجانب.

النكتة كانت سلاحا والمقاومة والإصرار والتحدى أسلحة أخرى تستخدم وقت اللزوم فمن عبارات وشعارات منددة بالمستعمرين والغزاة إلى اطلاق أسماء حى العرب قلب بورسعيد النابض و السيد العربى و العربى على جميع المواليد.

بورسعيد قديماً كانت تنقسم الى نصفين حى الافرنج وحى العرب والأخير هو الذى يقطن فيه ابناء بورسعيد والاخر من نصيب قوات الاحتلال والجاليات الفرنسية والأجنبية عمتاً . وعند مولد اى طفل بورسعيد يذهب به والده الى حى الافرنج ويصيح بأعلى صوت هذا ابنى اسمه السيد وهيفضل سيدكم جميعاً والعربي سيظل عربياً للابد ومن هنا اطلق نسبة كبيرة من البورسعيدية هذا الاسم المركب على مواليدهم السيد العربي .

و أبوالعربى خرج من هذا الرحم وهو شخصية من دم ولحم ولا تعنى تلك الصورة الهزلية التى رسمها نزلاء عنبر الكوميديا فى السينما المصرية والملاهى الليلية، يقبل أبوالعربى أن يردد هو النكتة عن غيره وعن نفسه ولا يقبل على وجه الإطلاق أن يتحول إلى مادة للسخرية والنكات العبيطة التى لا تعى ولا تدرك أبعاد هذه الشخصية التى سوف يتوقف عندها الباحثون فى التراث الشعبى طويلا، بعد رحيل هوجة الاستخفاف والاستظراف، من إناس لم يكن لهم أى دور فى الدفاع عن هذا الوطن

 

About ali hassan

على حسن رجب أبو الحسن محمـــــــــول : 08072502 / 010 - 14464036 / 011 [email protected] [email protected] العمل الحالي والمهام الوظيفية السابقة:- نائب رئيس تحرير مؤسسة الحياة للصحافة والاعلام . مشرف القسم الرياضى بجريدة " الكلمة " الاليكترونية . عضو عامل الاتحاد العربي للصحافة الاليكترونية عضو عامل نقابة الصحفيين الاليكترونية عضو عامل نقابة الصحفيين المصريين المستقلة . عضو عامل النقابة العامة للصحافة والإعلام .
This entry was posted in Egypt. Bookmark the permalink.

Comments are closed.